تعالت أصوات الضحكات هنا وهناك حتى أنَّي قد انتابني شعور بأني كنت غافلة وتيقظت..
أو قل شعرت أني اسقط في بئر لا قرار له،،
هل أنا نائمة انتظر الصباح لأستيقظ أم أني في قمة صحوتي ولابد لي من غفوة عميقة كي أعود للحياة..
حياتهم تلك التي يجب عليَّ العودة إليها وليست حياتي !!
كلمات بسيطة غير متكلفة خرجت من أعماق القلب لتعبر عن معاناة عشت تفاصيلها بمزيج من الألم..
ولم يكن ينقص هذا الخليط من المشاعر السلبية إلا بعض السخرية حتى أختار وكلي رضا أن أغادر هذه الدنيا لعالم آخر بعيد..
سيقولون أني مريضة إن سافرت إلى هذا العالم،، لن آبه إلى ما يقولون..
فلم أعد احتمل المزيد...
قصتي بدأت قبل ثلاث سنوات..
أنا فتاة جميلة بل إن شئت الدقة وبكل تواضع أنا آية في الجمال !!
لم يكد يرني أحدهم إلا وقد تغير من الخجل لونه ومن الحسن انعقد لسانه..
حتى بنات جنسي كانوا يحسدونني على هذه النعمة..
جمال زانه حسن الخلق والحياء والتواضع فلم أتعمد يوماً أن أتزين لأثير الغرائز أو أن أحرض على الفواحش..
كنت ملازمة لكتاب الله، أحفظ ماتيسر منه وأتلوه ليلاً ونهاراً، وقد زين حسن صوتي آياته فصار أهل بيتي يحبون سماعه بسببي وكذلك من قَرُبَ من صديقاتي..
تخرجت من كلية الإعلام وكنت قد حرصت كل الحرص خلال فترة دراستي ألا أفعل ما قد أندم عليه يوماً..
فلم أكن من هواة جمع الأصدقاء والرحلات ولم يكن لدي مجموعة أصدقاء من الجنسين أو كما يطلقون عليه مصطلح "الشلة"، كان كلامي قليل وأتحاشى قدر الإمكان نظرات الآخرين.
وكان لجمالي عامل مهم في ابتعاد الكثيرين عني فقد كان حاجزاً بيني وبين الآخرين وكنت أتركهم يظنون أني متعالية أو متغطرسة حتى لا يطمع أحدهم في القرب...
كان إسمي هو الألمع بين أساتذة الكلية لتفوقي، حتى أني حصلت على توصية من أحدهم لكي أشغل وظيفة معدة بأحد البرامج ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة في ذاك الوقت، ولم ينقصني سوى بعض الإختبارات ومن ثم التدريب العملي ثم أشرع في عملي الجديد..
كان العمل وقتها بمثابة حلم ومتنفس لي، فلم يكن لي هدف أسمى من أن أؤدي رسالتي بتقديم مواد هادفة في ظل ما نعانيه من إنحطاط أخلاقي ومرض عظيم تفشى في جميع القنوات ليدخل في كل بيت من الضرر نصيب...
ظللت متلهفة، أتوق أن تأتي الفرصة لكي أذهب لآداء الإختبارات المختلفة والمقابلة الشخصية،،
حتى جاء اليوم...
لم أكن أتخيل أن القدر يخبيء لي كل هذا، متى تم الترتيب لهذا الأمر؟؟ لا أدري لربما حتى قبل أن أولد..
ولكني علمت وقتها فقط أني قد وُلِدتَ..
اضطرب قلبي كثيراً،، وقتها رأيته لأول مرة وعلى ثغرة إبتسامة -لا أنساها ما حييت- وهو يداعب أحد أصدقائه بالعمل ويرشف من كوب القهوة الخاص به..
لم أكن أعرف من قبل أن من الرجال من إن نظرت إليه فتنت به وشهدت له بالجمال -حتى رأيته-...
شاب بمقتبل العمر قد يفوقني جمالاً وشباباً، ملابسه أنيقه متناسقة الألوان وخصلات شعره تتمايل مع حركته وكأن الكون كله يتناغم مع إيقاع حركاته وسكناته..
نظر إلي نظرة واحدة ومن ثم أشاح بوجهه بعيداً كأنه لم يرني أو أنه لم يرغب في أن يطيل النظر، مما ولد في قلبي الطمئنينة من هذا الرجل وقد تمنيت في قرارة نفسي أن نتبادل النظرات إلي الأبد..
وأنا التي اعتدت أن تأكلني نظرات الآخرين التي خشيت منها ودوما كنت أتحاشاها..
لحظات قليلة وتقدمت إحداهن إليّ، لتسألني بأدب أن أذهب معها لأبدأ المقابلة الشخصية مع الشخص المسئول، وكان أحساس غريب يداعب روحي بأني سأرى هذا الشخص مرة أخرى أو لربما هو من سيعقد معي المقابلة الشخصية، لا أدري إن كان إحساس وتوقع أم كانت نفسي هي التي تتمنى ذلك...
وقد صدقت التوقعات وكان هو الشخص الذي ينتظرني,,
إستحال لوني للأحمر وتلعثمت ألفاظي إلا أنه نظر إلي بأدب مطمئنا إياي بأن أهداء قليلاَ فهذا أمر متوقع في أول مقابلة أخوضها في حياتي، ابتسم قليلاَ ثم قال لي حدثيني قليلا عن نفسك وعن أهدافك وكأني أخاك الأكبر ولست بشخص مسئول في الجهة التي ستعملين بها...
بدأت الحديث بصوت مرتعش وكان دائم الإنصات والمتابعة، موجهاَ نظره للأوراق على المكتب وحيناَ للنافذة، أما أنا فقد اكتسبت الثقة وشعرت فعلا أني أعرفه من زمن طويل..
سألني الكثير من الأسئلة التي تتعلق بأهدافي وصفاتي الشخصية وكذلك في بعض الأمور الفنية التي تعرضت إليها أثناء دراستي..
وأخيراً سألني إن كانت لدي أية استفسارات..
وقتها اضطربت كثيراً وقلت له شكراً لك..
لم تمر أيام قليلة إلا ووجدت اتصالاً من جهة العمل تطالبني بالحضور لاستلام وظيفتي الجديدة..
لأجد نفسي قد تم تعييني في منصب مساعد معد..
أسمعكم تتهامسون متمنين مايتمناه قلبي، وقد كان !!
وكل هذا من ترتيب القدر، فقد صرت مساعدته وقد كانت سعادتي بهذا تفوق سعادتي بالوظيفة نفسها..
مرت الأيام تباعاً وقد أحسست بتغير كبير يطرأ علي، فلقد أحسست لأول مرة بأن هناك أمواج عاتية تدق حصون قلبي فيضطرب لها وتتسارع نبضاته، صرت كأني لست أنا، بل كنت أنا أفضل مني..
كنت استمتع بمجرد الحديث له والإستماع لصوته كنت اتأمل ملامح وجهه خلسة دون أن يشعر وتتملكني هذه الإبتسامة التي لا تفارق ثغرة وكأنه ولد بها، فهي جزء من قسمات وجهه الذي أبدع الخالق في صياغته فكان في نظري أجمل المخلوقات على وجه الأرض.
ذات يوم تأخرنا في العمل فوجدت نفسي آنسه لوجودي بجواره وسمحت لي نفسي لأول مرة أن اسأله عن نفسه، ترددت قليلا ولكن انطلق لساني دون إرادة مني لأسأله كم تحفظ من القرآن؟ فنظر لي نظرة لم تتجاوز الثانية ثم أشاح ببصره -كعادته حينما يتحدث معي- قائلا لماذا تسألي ؟ قلت له مجرد سؤال ولك مطلق الحرية في أن تجيب أو تحتفظ بالإجابة فقال مقاطعاً حديثي أنا أحفظ ثلثي القرآن وأسعى دوما أن يتم الله علي حفظ كتابه..
أليس منكم من يشاركني هذا الشعور الرائع !!
لا أدري لم كل لحظة تمر علي أرغب فيه أكثر من سابقتها، لقد صرت أتمناه زوجاً ولولا حيائي لجثوت على ركبتي أطلبها منه.
وتمر الأيام وفي كل يوم نتقرب من بعضنا أكثر وأكثر حتى فاجأني في أحد الأيام أنه يطلب توصيلي إلى المنزل، فصعقت ولم أكن أتوقع منه مثل هذا الطلب..
ورفضت بكل ما أوتيت من قوة وذرف قلبي دمعاً على حزني من هول هذا الطلب، هل لهذه الدرجة تخدعني المظاهر؟! فقال لي مسرعاً لا تقلقي فوالدتي تنتظر في السيارة وأعتقد أن بيتكم في طريقنا فلن تكلفينا أية مشقة...
نزلت للسيارة وكنت أفكر في أن أسلم فقط على والدته وأنصرف مسرعة، ولكني حينما رأيتها شعرت براحة نفسية، فهي تشبه والدتي كثيراً، وشعرت بنهر من الحنان يتدفق حينما ضمتني لصدرها وقالت لي كيف حالك يا بنيتي ؟؟
ثم نظرت لولدها نظرة ذات معنى وقالت له تماماً كما أخبرتني عنها، فاحمر وجهي خجلاً،، هل حقاً يتحدث عني ؟ هل يهتم بي ويذكرني ؟...
وجدت والدته تجذبني للسيارة جذباً وتقول اركبي هيا أسرعي..
فلم أملك إلا الإستسلام لرغبتها ووجدتها تطلب مني أن أقوم بدعوتها للعشاء في بيتنا اليوم، فلم أدري ما أقول...
أخرجت هاتفي وحدثت أمي ولم أدري كيف أخبرها أن أم زميلي في العمل ترغب الآن في تناول العشاء معنا، ولكني وجدت والدتي تدللني وتقول لي أنها أعدت اليوم عشاءاً يكفي لعشرين فرداً، مما شجعني قليلاً فقلت لها إن والدة زميلي ترغب في تناول العشاء معنا اليوم فوجدتها ترحب كثيراً دون أي اسئلة أو تحقيقات -على غير العادة- ترى ماذا يحدث أنا لا أفهم حرفاً مما يدور حولي !!
فوجئت بأننا وصلنا للمنزل سريعاً ثم توقفنا برهة وأنا لا أدري ماذا أفعل وقد صرت أسمع دقات قلبي وأخشى أن يسمعوها هم أيضاً،، فقلت لها تفضلي يا أمي ونظرت له فإذا به يفتح باب السيارة ليتأهب للصعود معنا، ومن داخلي تتردد صرخات ويحك ماذا تنوي أن تفعل ؟؟؟؟
صعدنا الدرجات سريعاً إلى منزلنا وحينما وصلنا لباب المنزل تمنيت أن لم أكن قد ولدت من الأساس، ماذا سأقول لأبي ولأمي كيف سأبرر لهم الموقف وكيف تصرفهم سيكون ؟؟
قرعت الباب مرتين وأنا أتمنى ألا يُفتَح أبدا، فوجدت أمي وأبي يفتحون وقد ارتدى أبي ثياباً أنيقه وكأنه ذاهب لمقابلة رسمية وقد ارتسمت على وجهه ابتسامه غريبة قائلا تفضل يابني تفضلي يا حاجَّة البيت نور بقدومكم..
هنا قد وصلت لحدي فسقطت على الأرض مغشياً علي،،
أكانت ساعات أم دقائق أم هي لحظات حتى أفقت فوجدت أبي يحملني إلى داخل المنزل ويتبادلون جميعاً الضحكات وانا مازلت لا أفهم شيئا ممايدور حولي، إلا أني جلست معهم لأجده قد بدأ الكلام بالبسملة وحمد الله ثم عرف نفسه لأبي وأخبره عن وظيفته وظروفه المادية وأن لديه سكن خاص به وهنا وجدت قلبي يصرخ ويحكم جميعاً هل أنا الآن أجلس في مجلس خطبتي !!
تابع كلماته محولاً دفة الحديث إلي أنه كان يبحث عن عروس تشاطرة حياته وتملؤها عليه بهجة وسعادة وأن القدر كان قد ساقني إليه فأنا من عائلة طيبة الأثر وعلى خلق ودين ولم يرى مني إلا كل خير، وقتها وجدت عيناي تدوران في محجريهما وتمالكت نفسي قبل أن أقع في إغماءة أخرى...
وجدت أبي يرد عليه بأنه لن يجد خيراً منه ليأتمنه عليَّ وأنه لما سأل عنه لم يسمع إلا كلاماً طيباً، ووجدت أبي ينظر إلي ويقول ما رأيك يابنيتي ؟؟ فلم أدري هل كانت لدي القدرة على النطق من قبل أم أني فقدتها في غمار هذه الأحداث.
وجدتهم جميعاً يضحكون ويقولون المقولة الشهيرة أن الصمت دليل القبول، وهنا بدأ الحديث في التفاصيل وأنا بالكاد أسمعهم أو أشعر بالكون حوالي..
وبعد أن رحل هو ووالدته انصرفت مسرعة إلى حجرتي وأغلقت على نفسي وأخذت أبكي وقلبي يهتز طرباً لما جرى منذ دقائق، لقد كانت في حالة غريبة جداً ولا أدري ماذا حدث واحتجت أن يأتي أحدهم ليفسر لي ولكن ليس اليوم..
أحتاج كثيراً للنوم الآن فلم أتردد في تلبية هذا النداء الساحر الذي أخذني إلى عالم الأحلام، ولم تكن إلا سويعات قليلة حتى وجدت أمي وأبي على رأسي يوقظونني ويضحكون ضحكات لم أرى مثلها من قبل..
قال لي مبارك عليك هذا الشاب يا بنيتي، لقد اتصل بي منذ أسبوع وطلب مني أن يقابلني بالخارج ليتحدث معي في أمر مهم خاص به لأن والده متوفى وهو يثق بي مما سمعه منك ويحتاج لمشورتي، ولما قابلته وجدته يفاتحني في موضوع الزواج منك وأحسست من أول وهلة بأن هذا الشاب رجلاً بمعنى الكلمة وطلب مني ألا أخبرك حتى لا تتغيري معه أو يحدث اضطراب في العمل وأن شعور القبول من ناحيتك تجاهه كان يكفيه كي يتقدم لكي بدون أن يعلمك، وأنا من وجهة نظري ولأني أبوك وأعرفك جيداً فقد كنت متأكد أن مثله لا يمكن رفضه، أليس كذلك ؟؟
وهنا وجدت أمي تعانقني قائلة لقد كبرتي يابنيتي وجاء اليوم الذي كنت أنتظره منذ مولدك، مبارك عليك هذا الرجل...
بدأت حياتي تزدان بوجود مثل هذا الرجل فيها، وكأني لم أحيا قبل أن ألقاه !!
لقد كان لي دوما كما تخيلت، بل فاق بحسن معاملته ونقاء مشاعره وصدقها كل التوقعات، كلما نظر لي وجدت حمرة الخجل تعلو وجنتيه ووجدته يهمس لي بأنه الرجل الأوفر حظاً في هذا الكون لأنه بجواري هذه اللحظة، لم أسمع ولم ترد على أذناي مثل عذوبة كلماته ولم يلمس قلبي مشاعراً أصدق من تلك التي حواها قلبه ووجهها بكل طاقته نحوي، ليجد قلبي فيضاً من المشاعر النقية لم يكن ليتوقع أن يجدها في مثل عالمنا هذا..
كان يغار علي كما لم أعهد أو أرى أو أسمع في زماننا الذي نحيا أو حتى فيما قد انقضى وولى، حتى أنه صارحني ذات يوم أن لا يقبل بأن تمس جزيئات هذا الهواء وجهي، وأنه حتى يغار من قلمي ومكتبي وجوالي..
ومرت أيام خطوبتنا وكأنها طرفة عين ومن جمال ما حييت تمنيت أن أظل أحيا هذه الأيام ماتبقى من عمري، غير إني اشتقت كل الإشتياق لأرتقى في سماء عاطفته وأخوض في بحر مشاعره، هل حقاً هناك من الرجال من هو مثله أم أنه طفرة قد تحدث مرة كل ألف عام !!
يتبع…