ما أجمل أن تدون وتكتب مابداخلك في مثل هذه الظروف.
وجبة غداء ممتازة وكوباً من الشاي الدافيء.
تجلس وحيداً في المنزل، كم أعشق هذا الهدوء.
تستند بظهرك وتمدد رجليك أمامك وترخي ذهنك، ياله من منظر !
الغروب من شرفة غرفتي له طعم آخر لم أذقه يوماً في أي مكان آخر، فغرفتي هي الشرفة…
إنه الوقت المناسب لأكتب لكم وأشارككم هذه التدوينة..
التي اخترت لها العنوان الأنسب “حكاية روح”…
علمت أن المرء قد يولد مرة واحدة على الأقل…
وقد تمر عليك في حياتك حالات ولادة أخرى تختلف عن الأولى في أنك تعقل وتسمع وترى مايدور حولك…
فيكون التأثير عليك أكبر، وتقدر أنت حجم النعمة التي وهبك الله إياها، ألا وهي “حياة جديدة” !
حسناً…
في كل مرة أكتب هنا أحرص على ألا أطيل على من ساقه قدره إلى صفحتي..
ولكن في هذه المرة أشترط على من يقرأ ألا يقرأ إلا بروحه وأن يترك مابيده ويتفرغ لي قليلاً فلا يتملل.
لعل هذه الصفحة هي الوحيدة التي أكلمها وأبوح لها بما في صدري،
ولعلها تكون النافذة الوحيدة على مابداخلي…
حكاية روح ،،
اليوم : الإثنين 19 سبتمبر 2005 م
الموافق 15 شعبان 1426 (يوم مولدي بالتاريخ الهجري)…
لقد مللت وكم وددت لو غيرت من حياتي.
أشعر بضيق شديد ولا أكاد أطيق أنفاسي.
ذهبت إلى غرفتي وفتحت حاسبي الشخصي لأدخل إلى مجلد الأغاني، وما أدراك ومجلد الأغاني خاصتي..
فالحجم فاق الثلاثون (جيجا) ولكل منهم موسوعة من بداية أن كان يدندن ببيتهم إلى أن صار مطرباً مشهوراً تتهافت علي صوره الصحف والمجلات…
وأنا…
كان لي مزاجي الخاص وذوق رفيع لا يعلى عليه فكما كانوا يقولون عني “سميّع”…
فقط قل لي مطلع الأغنية وأعطني بداية اللحن، وابحث لنفسك عن مقعد قبل أن تسقط من فرط قرب توقعي من واقع الأغنية…
ولكني في هذا اليوم أخذت قراراً غريباً لم يكن ليتوقعه أحد..
لقد تبقى على رمضان أقل من خمسة عشرة يوم..
سألت نفسي،، ترى هل من جديد هذا العام ؟؟
ووجدت نفسي تحدثني وتقول لي ألم يأن لك أن تقلع عن ذنبٍ لم تشعر بوطئته ومازلت مصراً عليه !!
شعرت وقتها بغصة في حلقي وقلت لنفسي قد آن.. ولن استمع للمزيد بعد الآن !!
هكذا ؟؟!
..نعم هكذا..
ومرت الأيام حتى جاء شهر رمضان ولم استمع لأغنية واحدة،
رغم أني لم أقم بحذف مالدي والتخلص منهم…
وجاء اليوم الخامس عشر من رمضان…
جلست على حاسبي ووجدت أنه لا مساحة على القرص الصلب…
فسألت نفسي لمَ لا أفرغ القليل من المساحة حتى يستطيع جهازي المسكين التنفس ؟
ووجدت أن هناك قدراً كبيراً من الملفات لم تستخدم لثلاثين يوماً…
وقد اتخذت قراراً بحذف هذه الملفات فوراً..
لا…
لن أحذفها الآن..
فلقد عانيت حتى جمعت هذا القدر وهذه التشكيلة المثالية..
إحذفها فأنت لن تستمع إليها مرة أخرى، لمَ تبقيها !!
حسناً حسناً…
سأحذفها كلها عدا…
هذا وهذا وهذه وتلك…. وذاك..
لن أجد هذه المجموعة الكاملة لدى أحد على الإطلاق..
يا الله ،،
يبدو أنني لست جاهزاً بعد..
إحذفها فأنت لن تستمع إليها مرة أخرى، لمَ تبقيها !!
آلله أم هم ؟؟
وقتها لم أنطق ببنت شفة…
آلله أم هم ؟؟
وفي اللحظة التالية كنت أرى هذه الملفات وهي تغادر جهازي معلنة عدم العودة مرة أخرى إليه بفضل الله..
لم تنتهي الحكاية..
فقط كانت هذه هي البداية !!
بداية “حكاية روح”…
“ من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً”
إنه اليوم التاسع عشر من رمضان..
يراودني هذا الشعور بأني أريد الإعتكاف في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم..
اليوم العشرون من رمضان أجد نفسي أحزم أمتعتي وأودع أهلي لأذهب للبحث عن مسجد..
من بعد العشاء حتى الحادية عشر مساءاً وأنا أتنقل من مسجد لمسجد
والكل يقول أن العدد مكتمل ولا مكان لفرد إضافي..
حتى أعياني البحث وشعرت بمرارة شديدة…
هل أعود لبيتي بخفي حنين..
يا الله..
ألا تقبلني ضيفاً ،، يا الله لاتردني خائبا..
وجاء في ذهني مسجدا فقررت أن أذهب إليه على الفور..
وما إن طرقت أبوابه حتى فتح لي رجل في مثل عمر والدي ليقول لي على الفور
- تفضل يابني..
- هل بالمسجد مكان ياعمي ؟
قال لي تفضل وغداً ننظر، يبدو عليك التعب فاذهب لتسترح قليلاً قبل التهجد..
فأمامنا ليلاً طويلاً..
أين استرح ؟
يبدو أن الغرف جميعها ممتلئة..
فقال لي استرح بغرفة الإمام وإن شئت فابقى بها..
كانت حياتي تتغير على نحو عجيب…
بالفعل لقد رأيتها _روحي_ تولد من جديد..
تترك ماكانت عليه لتجد لنفسها حياة جديدة وطريقاً غير الذي سلكته طيلة ما مضى..
ما أروع صوت هذا الكروان الذي يتغنى بآي القرءان !
هذه الكلمات تنعش روحي وهذا الصوت يهز كياني..
كيف فقدت هذا الشعور طيلة ما مضى من عمري !
ماهذه الصحبة الصالحة، ومن هذا الشاب الطيب حسن الوجه !
سمعته يوماً ينشد أبياتاً من الشعر،،
سفري بعيدٌ وزادي لن يبلغني .. وقوتي ضعفت والموت يطلبني
ولي بقايا ذنوب لست أعلمها .. الله يعلمها في السر والعلــــنِ
تقربت منه فأنا كما أخبرتكم من قبل
لي مزاجي الخاص وأعشق الصوت الحسن..
طلبت منه في غير مناسبة أن يقرأ علي آيات من القرآن أو يسمعني من عذب النشيد
وفي يوم سمعت نغمة لجوالة جذبتني كثيراً
فسألته أن يرسلها لي على الفور..
دعوني أناجي مولاً جليلا .. إذا الليل أرخى علي السدولا
نظرت إليك بــقـلـب ذلــيلٍ .. لأرجـو بـه يـا إلـهـي الـقبولا
يا الله !!
أين كان هذا العالم من قبل ؟؟
بل أين كنت أنا من هذا العالم ؟؟
إنتهت الليالِ العشر، وعدت لمنزلي وأنا لا أكاد أصدق ماقد حصل لي بهذه الأيام القلائل…
ولما دخلت لغرفتي نظرت لحاسبي..
جلست عليه وبحثت عمّا كان يشغل بالي…
هناك الشيخ فلان يقرأ القرآن بتدبر وبصوت عذب، هذا هو المصحف الخاص به..
حسناً سأقوم بتحميله على الفور..
وهذا شيخ آخر، وآخر، وآخر
أين كنتم من قبل ؟ أو أين كنت أنا من قبل ؟
ماذا كنت أفضل في الأغاني ؟؟
صوت عذب، كلمات مؤثرة، نغم وآداء جيد..
وجدته وأكثر في كتاب الله
لم أجد أروع منها كلمات وما أجمل الأصوات حين تتغنى بمثل هذه الكلمات..
وجدته وأروع في بعض الأناشيد
كلمات تقربك للمولى وأصوات عذبة طيبة وآداء غاية في الحسن..
لماذا أستمع واكتسب الإثم إن كنت قادر على الحصول على الثواب..
ولكن من الذي يعقل !!
أحبتي في الله
أنت تولد على الأقل مرة واحدة بغير إرادتك..
ولكنك قادر على تحديد اللحظة المناسبة لكي تولد من جديد..
...هكذا...
تسقط ورقة صفراء جافة من شجرة ما، لتنبت مكانها أخرى يافعة مليئة بالحيوية..
ومن بين طيات القلب الأسود المليء بالمعاصي يخرج شعاع من نور يضيء لك مابقي من حياتي…
لم يبدلني ربي خيرا مما تركت وحسب،،
بل أورث في قلبي كره لأهل الفجور والعصيان وصرت اسأله لهم الهداية..
ليت الجميع يشعر بما شعرت…
أحبتي في الله
نحن على مشارف شهر فضيل أطلق عليه دوما “محطة التطهير”
إن أردت أن تقلع عن ذنب أو أن تكتسب فعلا حسنا لما تبقى لك من عمر..
فلن تجد أفضل من هذه الأيام لتفعل..
واعلم أن الله معك ومؤيدك،،
وكن على يقين دوما بأنه من ترك شيئاً لله، عوضه خيرا منه..
أراكم جميعاً دوماً بخير حال.
واسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد…
محبكم في الله
0 التعليقات:
إرسال تعليق